maryandjesuscross.com
كلمة المؤسِّس الأخ روفائيل
بعد رجوعي إلى الرب يسوع تائباً، بدأت أتعرّف عليه بعمق واشتدّت محبّتي له، حتى بدأ
سعيي الى القداسة، واتقدت غيرتي في جعلِه معروفاً ومحبوباً ومكرّماً ومعبوداً من
الجميع.
وبعد أن نظرتُ الى عدم حاجة عالمنا للمزيد من الأطبّاء والجنود والساسة والوالدين
والفنّانين... بدأ الله الروح القدس يُنمِّي فيَّ رغبة التكرُّس الكلّي له. وبعد أن
كنت أرفض نداء الدعوة الرهبانيَّة رفضاً قاطعاً، ظنّاً مني أنني مدعوٌ لأكون كاهناً
متزوجاً، لكون ذلك محبَّباً جداً لديَّ، إلى أن تبيَّن لي أنَّ الزواج يُجَزئ
الإنسان بين إرضاء الله وزوجته في آنٍ معاً.
ولم أجد دعوتي الخاصة في إحدى الرهبانيات القائمة في الشرق، وكنتُ على وشك أن أخسَر
التراث الشرقي العريق، لأنضم إلى رهبنة تابعة للقديس فرنسيس الأسيزي. ولكن لأجل
شوقي وغَيرتي على عدم فقدان الروحانية الشرقية، وإستجابةً لنداء الكنيسة بضرورة
متابعة الأمانة للينابيع، في عيش الإنجيل كما عاشه الربّ يسوع ورسله في هذا الشرق
الذي ترعرعتُ فيه، وليس من صِدفة في الحياة، فقد شاءت عنايتهُ أن أجد دعوتي مع
أخوَين يشاطرانني هذا الرأي، ضمن رهبنة تجمع بين الروحانيَّتين الغربية الفرنسيسيّة
الرسوليَّة والآبائية الشرقية النسكية، مع أنَّ الشرق هو نبع كل المناهج وأساليب
الحياة الرهبانيّة.
وتيقنت أن على صيّاد البشر أن يتشبّه بمعلّمه الإلهي في تجرّده عن أباطيل العالم
وخيراته الزمنيّة ومن كل الوسائل البشريّة، متفرّغاً كلّياً لخلاص النفوس، فلا
يَحمل مالاًَ ولا زاداً ولا عصا ولا حذاء ولا ثوبين ولا كيساً ليكونَ كلّ اتّكاله
عليه وحده. وأن يكون في خلواته في البرّية متّحداً به؛ متشبّهاً بيسوع المصلوب
ليكون مثالاً للنفوس في الصبر والثبات في محبّة الله. وهذا ما أراده الله من بعض
النفوس والرهبنات في الكنيسة. وإنَّ "إخوة الصليب" و"أخوات يسوع المصلوب" هم إحدى
الرهبانيَّات المدعوة إلى تحقيق ذلك، في روحانية خاصة وميزات عديدة. فإن الروح يعمل
في الجميع و "لو كانت كلها عضواً واحداً فأين كان الجسد؟" (1 كور 12/19).
I - مَن هم؟
إنَّ الحياة المكرسة تقع في قلب الكنيسة، وهي جزء لا يتجزأ من رسالتها، وذلك بأنها
تجعلنا نفهم الدعوة المسيحيّة في صميم طبيعتها . و"كعروسٍ مزينةٍ لعريسها" (رؤيا
21/2)، متّبعين المسيح البتول والفقير على أنه الضروري الأوحد. وفي بحث متّقد عن
الله، في رهبة وحبّ، "وجد الرهبان والراهبات في قراءة لاهوتيّة للكتاب المقدّس،
منبع حياتهم الروحيّة ومصدرها، فاستندوا إليها ولبّوا الدعوة الشخصيّة إلى اتّباع
المسيح المطيع والبتول والفقير، والتتلمذ له والسعي إلى الإقتداء به، مشتركين في
مصيره. لقد انتهجوا نهجَه في الخلوة والصلاة على الجبل أوّلاً، ثمّ في إحياء روابط
الأخوّة لحمل رسالة تفرضها ديناميّة العلاقة به وثمرتها والشعور بضرورة إيصالها إلى
الآخرين وتجسيدها معهم وبينهم" .
ولما أصبح في نيَّة المؤسّس التركيز على المبادئ التي على أساسها قامت الحياة
الرهبانيَّة الشرقية في نشأتها، إنْ في إزدواجية الحياة النسكية- الرسوليَّة، على
ما "يشهد الكُتّاب أنّ رهبان دير القديس مارون لم يكونوا يَقتصِرون على النسك فقط،
بل كانوا يباشرون الرسالة والإهتمام بخلاص الآخرين أيضاً" ، وعيش المشورات
الإنجيليَّة والنذورات الرهبانيَّة بفقر إنجيليّ جذريّ، والإتّكال المطلق على
العناية الإلهيَّة؛ فكانت رهبانيَّتا "إخوة الصليب" و"أخوات يسوع المصلوب".
1- الإسم:
أ- "إخوة" و"أخوات": تؤكّد هذه التسميّة للرهبانيَّتين على إختيارهم لعيش
البساطة كعائلة واحدة دون تمييز ويَعملون بغَيرةٍ على النُصح الأخوي وقبولها بعضهم
من بعض، وكالمسيح "الذي إذ هو في صورة الله، لم يَكن يَعتدُّ مساواته لله إختلاساً
لكنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبدٍ" (في2/6-7).
ب- يسوع: سُمِّيَت رهبانيَّة الأخوات على الإسم القدوس، لأنّهنَّ لأجله تركنَ
كل شيء وتبِعنَه، فهو "الكلمة الذي صار جسداً"(يو 1/14) والمُستحق لإسمه السجود.
ج- الصليب والمصلوب: لقد أضافت الرهبانيَّتان إلى النذور الثلاثة المعروفة،
(الفقر، العفّة، الطاعة) نذرَين آخرَين هما التواضع والألم، لأجل إختيار الأقرب الى
يسوع المصلوب، وللشراكة في سر الفداء، مشاركين المعوَزين حُرمانهم من العيش اللائق
الكريم.
2- الهوية:
إنَّ ما يَهدف إليه رهبان "إخوة الصليب" وراهبات "أخوات يسوع المصلوب" في ميزتهم
الخاصة، ويَعتبرونه من جوهر دعوتهم، الشهادة الإنجيليّة المُعاشة دون التركيز على
النتيجة، من خدمات إجتماعيَّة تُعتبر ثانويّة بالنسبة لدعوتهم الخاصّة، فما يلتزمون
به هو:
1 ً- أهميّة الغاية: حيث يَتبعون المسيح عن كثب، "نحن جميعاً نعكس صورة مجد الربّ
بوجوه مكشوفة" (2 كور3/18)، لأنّ دافع وهدف حياتهم كلـّها، هو عمل مشيئة الله
والسعي الحثيث إلى الكمال والقداسة دون ملل، والشوق لعيش أعظم الوصايا في الإتحاد
بالله ومحبّته "من كل قلبك وفكرك وقدرتك وذهنك، وأن تُحبَّ قريبك كنفسك" (مر
12/30-31).
2 ً- الدعوة إلى بثّ روح الإيمان، والثقة بالعناية الإلهيّة من خلال نمط حياتهم
الخاص ومعيشتهم اليوميّة، من عدم التملك وعدم التأمين بكل أنواعه كالفقراء
المحرومين، وعيش حياة الفقر والبساطة.
3 ً- التُفكير بحكمة الله، وإخضاع العقل للإيمان، لأنَّ "حكمة هذا العالم هي عند
الله جهالةٌ، أما حكمة الله فهي جهالة عند البشر" (1 كور 3/19).
-II في مسيرة الرهبانيَّتين منذ التأسيس إلى اليوم:
1- النشأة:
1 ً- النواة الأولى (1985-1986)
أخَذ بعض الشبّان الغيورون الذين لم يَجدوا دعوتهم الخاصة في الرهبنات القائمة،
يلتقون معًا بداية سنة 1985 في بلدة "دير الأحمر"، حيث بَنوا برضى سيادة المطران "رولان
أبو جودة" السامي الإحترام، "كابيلا" للصلاة والخلوة التي تحوَّلت الى دير صغير على
إسم "الصليب"، وقد ساعدهم في بنائه أهالي البلدة الكرام.
وكان أوّل هؤلاء الإخوة المؤسِّسون الأخ "جهاد سعادة"، الذي بعد أن عاش فترة إلحادٍ
وضياع، ولد من جديد ليعيش حياة مليئة بالسلام الداخلي،في سيرة على مثال مار فرنسيس.
ثمّ تبعه الأخ "يوسف صالح" المعروف بميله للحياة النسكية والتأملية، إلى أن تعرَّف
الأخ روفائيل (عماد عبود) عليهما، فانضمّ إليهما لِتناغم الأفكار والأهداف، وتبعَهم
فيما بعد الإخوة الثلاثة: نهرا كيروز، شربل خير الدين، وميشال دكّان، فعاشوا حياة
الخلوة والرسالة كما عاشها الرب "يسوع"، ووضعوا معاً القوانين الأوَّليَّة
وقدَّموها إلى السلطة الكنسيّة.
وكانوا يرافقون مراراً الأب "بطرس مُنصف" في جولاته في القرى وزياراته المرضى
والبيوت، وقد إستفاد الإخوة كثيراً من إيمانه الراسخ، وتعاليمه وفق العقيدة
الكنسيَّة الصحيحة، ولم يَجِدوا مثل غَيْرته على الكنيسة وخلاص النفوس وشهادة
إيمانه، سوى لدى القديسين الذين نقرأ عنهم في حياتهم الغريبة، والتي لم تكن مقبولة
في زمانهم، ومنهم القديس يوحنا المعمدان.
2 ً- فترة رعاية سيادة المطران "جورج أبي صابر" السامي الإحترام النائب
البطريركي (1986-1989)
زار الإخوة الأولون مع الأب "منصف" المطران "أبي صابر" لإطلاعه على منهج حياتهم
ورسالتهم، فطلب منهم القيام بخلوة لمدة ثلاثة أشهر، لتوسيع القانون بشكل تتمكَّن
فيه الكنيسة وغبطة البطريرك من التعرّف عليهم. ثمّ أطلعوه على إختيارهم الأبِ
المذكور كمرشدٍ عامٍ لهم، فبارك سيادته تلك الخطوة ودعاهُ إلى متابعتهم والسهر
عليهم. وبعد تلك الخلوة زاروا سيادته مُقدّمين له نسخة عن القانون، فقرأها وسُرَّ
بها جداً.
3 ً- فترة رعاية المثلث الرحمات سيادة المطران "فيليب شبيعة" (1989-1995)
قام بمُتابعة الإخوة والأخوات عن كثب، فأحبّهم كثيراً، مُنشّئاً إيّاهم طوال أربع
سنوات على التعليم المسيحي والعقيدة الكاثوليكية، وغالباً ما كان يَصطحِبهم في
زياراته، وقد أثنى سيادته الإخوة على عيش الفقر، الذي يشجّع الناس؛ خاصةً الفقراء
منهم على القناعة ، وعلى رسالتهم المؤثرة في تجوالهم في الشوارع وزياراتهم البيوت،
فهي بمثابة تعزية للعائلات والمرضى. وكان يمدح ويَفرح كثيراً بثوبهم المرقّّع،
معبّراً أنه الأجمل بين الأثواب جميعها، وسَيَلمع في السماء أكثر من غيره.
وكعمّال عاديِّين، ساهَمَ الإخوة والأخوات في بناء ديرٍ للأخوات، حيث سكَنَّ فيه
سنة 1991عائشات حياة ديريّة مُشترَكة مُنفتِحة على الرسالة. وقبل انتهاء مدّة
ولايته، عيّنَ الراهبة الأخت "لويز- تريز" (من راهبات العائلة المقدسة) لمساعدة
الأخوات.
4 ً- فترة رعاية سيادة المطران "بولس منجد الهاشم" السامي الإحترام (1995-1996)
لدى إستلام سيادته المهام في الأبرشية، ومعرفته بإنقسام الإخوة إلى فئتين كلٌّ
بقانون وروحانيَّة خاصة، دعاهم في ت1 1995 بمحاولة منه لتوحيدهم. وبعد أن مكثوا معاً
حوالي سبعة أشهر بطلبٍ منه، قدَّمَت كل من الفئتين لسيادته قانونها الخاص، فقال: "سأدرس
القانونَين، فإذا كانت الفروقات بسيطة أجمعهما في قانون واحد؛ أمّا إذا كانت
جوهريّة، فتذهب كل جماعة إلى أحد الأُساقفة؛ وأنا سأقبَل مَن كان له ميزة عن باقي
الرهبنات؛ ومَن لا ميزة له فأدعوه للانضمام الى الرهبنات الموجودة؛ لأن الكنيسة لا
تقبل بإنشاء رهبنة لا ميزة لها عن غيرها... إنّ الروحانيَّة التي يتمسَّك بها الأخ
عماد (روفائيل) والتي قام بتوسيعها في القوانين، لا يوجد روحانيَّة جذريةَّ مثلها.
وأعرف أنّه لا يتمسّك بأمور بسيطة عندما ندرس الموضوع بشموليَّته".
قرار ترك أبرشية دير الأحمر
أعلن سيادته: "ما دامت هناك فروقات جوهرية، فالأفضل أن تكون كلّ فئة في أبرشية،وأنا
مستعد لقبول الفئة ذات الميزة الخاصة". حينها وتلبيةً لرغبة الأخ روفائيل، تركت
الفئة المحافظَة على الروحانية التي بدأت بها الجماعة أبرشية دير الأحمر، وقد حصل
الأخ المذكور على شهادة خطّيَّة من المطران "الهاشم" كوثيقة تبعَث بالإطمئنان
لمصداقيّة الجماعة. أما الإخوة والأخوات الذين بَقوا في منطقة البقاع - دير الأحمر،
لا يزالوا راسخين في دعوتهم المكرُّسة، ولو أنها أخذت منحىً َجديداً، لكنَّها تبقى
بالنسبة لمنطقة دير الأحمر وجوارها، سنداً قويّاً لم يستطع أحداً أن يقوم به.
2- الولادة الجديدة:
1 ً- فترة رعاية سيادة المطران "شكرالله حرب" السامي الإحترام (1996– 1999)
قاد الروح القدس الإخوة والأخوات إلى سيادة المطران "شكر الله حرب" راعي أبرشية
جونيه المارونية، وكان لدى سيادته مُتّسع من الوقت لإختبارهم ورعايتهم عن كثب.
فكانت الولادة الجديدة مع الأخ روفائيل وهو الوحيد الذي بَقي من الإخوة المؤسسين
الستّة. وقد عيَّن سيادته الآباتي "أتناسيوس الجلخ"، المدبّر للرهبنة اللبنانيّة
المارونية حينها مُرشداً لهم، فتابعهم لمدّة تزيد على السنتين، مهتماً بتنشئتهم حول
الحياة الرهبانيّة الشرقيّة إلى أن تمّ انتخابه رئيساً عاماً على رهبانيّته.
مجيء الأب الإيطالي "كوستنزو كارنيوني" الراهب الكبوشي لإقامة رياضة روحيّة للإخوة
والأخوات
زار السلطات الكنسية شارحاً لها دوافع مجيئه متحدثاً عن الأهمية المسكونية لهذه
الجماعة الرهبانيَّة التي تجمع في قانونها الروحانيَّة الفرنسيسيّة الغربية
والمارونيّة الشرقية، وعن طاعتها واحترامِها الكاملََين للكنيسة الكاثوليكية،
ولقداسة البابا والأساقفة وللتعليم الرسمي. فزار راعيهم وحاضنهم المطران "حرب"، وقد
لمَس محبته الكبيرة لهم ودفاعِه عنهم كالأم، بحيث أنه وافق على قانونهم، وهو يسعى
لكي توافق عليه الكنيسة. كما الآباتي "الجلخ" الزائر الكنسي الرسمي لديهم، الذي
أبدى الكثير من التفهم والإنفتاح والدفاع عن جذريَّتهم، مع إشارته لبعض الصعوبات
الناتجة عن أقوال سوء تدور حولهم.
وقد وعده أسقف أبرشية طرابلس المثلث الرحمات المطران "يوحنا فؤاد الحاج"، بإهتمام
أكبر لتوضيح الأمور أمام الأساقفة. وعرض السفير البابوي أن يتحلّوا بالصبر والتأصل
بالروح، منظمين كل الوسائل الضرورية لحياة رهبانية حسب القوانين الكنسية، حاثاً
الأسقف "حرب" الذي رافقهم بأن يجتهد حتى بعد انتهاء مدة خدمته، على خلق تعاطف
وارتياح لدى الأساقفة الآخرين حولهم. وقد شرح المطران "الهاشم" له جذريَّة الحياة
الرهبانية في الفريق الذي يقوده الأخ روفائيل، وبأنه قد زوّده بإفادة موقّعة منه،
واعداً بالتكلم لصالحهم إلى غبطة البطريرك والأساقفة. وبعد توضيح الأب كوستنزو
لنيافة الكردينال "مار نصر الله بطرس صفير" قصَّة الجماعة الحقيقيَّة، تفاجأ غبطته
مبدياً الإهتمام لعدد طالبي الترهب الكبير لديهم، وأشار إنه يُحِبُّ أن يرى شيئاًّ
جدِّيّاً للموافقة على تثبيت قوانينهم تحت الإختبار.
2 ً- ولاية سيادة المطران "أنطوان نبيل العنداري" السامي الإحترام (2000-2001)
أرسلَ غبطة البطريرك "مار نصرالله بطرس صفير" الكلي الطوبى، بلاغاً بواسطة الأسقف
الجديد، معرباً عن رضاه الكبير على الشقّ النسكي من روحانيَّة "إخوة الصليب"
و"أخوات يسوع المصلوب"، وإستعداده كما الكنيسة جمعاء لتثبيتهم كرهبانيَّتين جديدتين
فوراً، إن اكتفيا بالحياة النسكيَّة الأصيلة المتوَفرَة لديهم، لأن الكنيسة
المارونيَّة فقدت هذا النمط الضروري والجوهري في الشرق. أما إذا أرادت الجماعة أن
تحافظ على شقـَّيها النسكي والرسولي معاً، فذلك يتطلب وقتاً أكثر لإختبار
روحانيَّتها الجديدة خاصةً مسألة الدمج هذه. لذا طلبَ غبطته أن يقوم "إخوة الصليب"
بتنشئة عند إحدى الرهبنات العريقة، واختبار مقدرتهم في عيش حياة رهبانيَّة
جَدِّيَّة، ولإطمئنان الكنيسة أكثر في متابعة مسيرتهم. لذا أعلن المطران "العنداري"
في عظةٍ له أثناء الإحتفال بالقداس الإلهيّ، لبدء التنشئة المنشودة في دير "المخلص"
للترابيست محدِّداً إيّاها بستّة أشهر، على أن يُقدّم الأب فهد في نهايتها تقريراً
لمجلس الأساقفة يتوقَّف عليه مصير الإخوة والأخوات.
قرار مجلس الأساقفة:
- لا يَرَ غبطته والمجلس مانعاً إذا ما إرتأى أحد الأساقفة أن يتبنّى "إخوة الصليب"
و"أخوات يسوع المصلوب"، شرط متابعتهم ومواكبتهم كما يجب ووفق القوانين.
- إنّ فترة الإختبار والتنشئة التي تابعتها الجماعة بناء على توصية مجلس المطارنة،
في دير المخلص لآباء الترابيست حول الإنتظام في الحياة الرهبانيّة الديريّة
ومستلزماتها كانت إيجابية.
- إنّ سلوك الإخوة والأخوات طيلة هذه الفترة أظهَر أخلاقية روحية مرضية وإيجابية.
- إنَّ مسألة الدمج بين الحياة النسكيَّة والرسوليَّة التي تتمسَّك بها الجماعتين
لا تزل عالقة.
3- المسيرة نحو الإستقرار والتثبيت مع سيادة المطران"بشارة الراعي" السامي الإحترام
شاءت العناية الإلهيَّة أن يتبنّى المطران "الراعي" الجماعتين، وهو الذي صرَّح للأخ
المؤسِّس، بأنَّ الذي شجَّعه على قبول الإخوة والأخوات في أبرشيَّته هو طاعتهم
وأمانتهم للسلطة الكنسية وتعليمها الرسمي، كما شهادات الأساقفة والآباء الذين
رافقوهم عن كثب. وإبتداءً بأبرشية جبيل، وبتشجيع وبركة سيادته الذي طلب بألاّ
يرفضوا أية دعوة من الرعايا شرط موافقة الأسقف المحلّي وكاهن الرعيّة، استهلّوا
الشهر المريمي سنة 2003 بتكريس قرى لبنان المُمتدَّة من شماله إلى جنوبه وصولاً إلى
سوريا لقلب مريم الطاهر.
وقد عيَّن سيادة المطران "الراعي" الأب "حنا خضرا" الراهب الأنطوني مرشداً روحيّاً
وقانونياً للإخوة والأخوات، الذي أعاد دراسة القوانين مُنقحاً ومُصحِّحاً إيّاها،
فقدّمها الى سيادته طالباً تثبيتها.
وبعد أستشارة سيادة المطران بشارة الراعي غبطة البطريرك "مار نصر الله بطرس صفير"
الكلي الطوبى، الذي بارك تثبيت قوانين الرهبانيتين لمدة خمس سنوات تحت الأختبار في
11/شباط/2008 ، على أن يعاد تقديمها إليه بعد خمس سنوات ليرفعها للكرسي الرسولي من
أجل جعل الرهبنتين حبريتين.
وإستجابةً لطلب الأخوات، أوكلت الرئاسة العامة للراهبات الأنطونيّات الى الأخت "استير
عيد" الفاضلة مسؤولية القيام بتنشئة الأخوات.
وقد عرض أهالي رعيّة مشحلان على الأخوات أرضاً مساحتها عشرة آلاف م2، لبناء ديرٍ
لهنّ مبدين رغبتهم ببقاء الأخوات في رعيتهم. وفي 1 أيلول 2006، وبمناسبة عيد مار
سمعان العامودي، ترأس المطران الراعي الذبيحة الإلهية، حيث قال: "إنّ عدم التملّك
هو ميزة هاتين الجماعتين. ونحن نحترم روحانيَّتهما، ونؤكّد بأنّ الأرض ستبقى
بإستعمالهم حتى ولو بعد ألفَي سنة ما دامت الرهبنة قائمة".
III- في الروحانيَّة وميزتها:
إنَّ الجذور والينابيع التي استقت منهما رهبانيَّتا "إخوة الصليب" و"أخوات يسوع
المصلوب" هو الإنجيل المقدس، عبر حياةٍ نسكية جماعيّة مُحصّنة شبيهة بخلوات يسوع في
البريَّة، وعلى مثال الحياة المشتركة التي أسّسها القدّيس باخوميوس ناظِم القوانين،
مع المحافظة على الطابع النسكي الفرديّ أحد وجوههم الزهدِيّة المهمّة (المجمع
الماروني، 2006)، وحياة رسولية شبيهة برسالة يسوع الفقريَّة، مع إلتزام الإخوة
والأخوات المرسلين بالحياة النسكيّة أكثر من الرسوليَّة كرصيد وقوة للثبات في
حياتهم الروحيَّة.
1 ً- الأمانة للتعليم الكاثوليكي: يتقيّدون بشكل كامل بالإيمان الذي تُعلّمه
الكنيسة الكاثوليكّة الأمّ والمعلّمة. مُتَّخذين كلام القديس بولس بحرفيَّته: "ولكن
إن بشَّرناكم نحن أو ملاك من السماء بخِلاف ما بشَّرناكم به فليكن مُبسَلاً" (غلا
1/8)، فهم يعتمدون أركان الإيمان والتعليم الخمس: الكتاب المقدس؛ التقليد الرسولي؛
التقليد الآبائي؛ مقررات المجامع؛ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية (الصادر عن
البابا "يوحنا بولس الثاني" ومجلس أساقفة العالم في 11 ت1 1992)؛ بالإضافة الى
الليتورجيا.
2 ً- الطاعة للكنيسة: عبر خضوعهم للسلطة الكنسيّة بهرميَّتها وتراتبيَّتها، حتى
ولو أصبحت الرهبانيَّتين حبريَّتين لن تتملصا من الطاعة للسلطة المحلية.
3 ً- السجود الدائم أمام الله الحاضر في القربان الأقدس: يُقيمون سجوداً
متواصلاً في أديارهم، ويَسعون لتأمينه في كلّ أبرشيّة يُطلبون فيها للرسالة.
4 ً- العمل على نشر التعبّد الحقيقي للعذراء مريم "la vraie dévotion à la
Sainte Vierge": من خلال التعرّف إليها والتمثل بفضائلها والتشبُّه بها، ونشر
التكريس لقلبها الطاهر، والتشديد على تلاوة المسبحة الورديَّة.
5 ً- الصلاة: يتلون الصلوات السبع التقليديّة بما فيها النهوض لصلاة نصف الليل،
مستخدمين التنوع الليتورجي الغني لمختلف الطقوس وما تركه الآباء القديسون من إرثٍ
للكنائس المنتمين إليها. فضلاً عن الصلاة الفردية لاسيما تلاوة الورديَّة وسائر
العبادات.
6 ً- حياة الشركة: على مثال الثالوث الأقدس، وكعائلة واحدة متضامنة، يسعون لعيش
الحياة المشتركة، والوحدة في الإيمان والعقيدة، والفكر والقلب، والروحانيّة
والتقليد الرهباني الواحد.
7 ً- عيش المشورات الإنجيليّة: عبر نذورَهم الخمسة (الطاعة، الفقر، العفَّة،
التواضع والشراكة في سرّ الفداء) ببساطةٍ وشفافيّة، كما فهِِمَتها الكنيسة وعلَّمها
آباؤها، وعاشها الرهبان القديسون.
8 ً- نذر التواضع: يتعلّمون أمثولة التواضع، من مَثل ابن الله الذي اعتبَر نفسه
"ابن البشر" (متى20/18)، متأمّلين كيف إنجذب الى حشا مريم بعد أن "نظر إلى تواضع
أمَتِه" (لو2/48)، معترفين دوماً "أنّهم عبيد بطالون" (لو17/10). لا يرغبون تبوء
المراكز والمقامات الأولى مهما كان نوعها، مع أفضلية بقائهم إخوة أكثر منهم كهنة،
فإنَّ أعظم فضيلة تفتخر بها الرهبنة هي فضيلة التواضع الحقيقيَّة، لأنها أصل وحصن
وستر كل الخيور الروحيَّة والأعمال الرسوليَّة، وإلا فلا قيمة لأعمال الرهبان أمام
الله.
9 ً- نذر الألم، أي حمل الصليب والشراكة في سرّ الفداء: الذي يُلزمهم بشكل صريح
بجعل النذور الثلاثة مُتَّحدة بالصليب؛ فلا يمكن أن ينسَوه. فالكفر بالذات يكون
بالكد والتعب لأن العمل هو من وصايا الله الأولى (تك 3/17).
10 ً- الفقر والبساطة: عبر عيش حياة العائلة القرويّة البسيطة، بما فيها من
صعوبة وقساوة، فيخدمون أنفسهم دون أن يضعوا لهم خَدَماً؛ يَغسلون ثيابهم بأيديهم،
يوقِدون النار بالحطب، لا يقتنوا ولا يستعملوا سوى الأدوات والأنوار التقليديَّة.
11 ً- "صلِّ واعمل" ora et labora(مار مبارك): يقومون بالعمل اليَدويّ، وخاصةً
الشغل في الأرض الذي يَلتزم به الجميع دون تمييز، بإعتباره أحد عناصر برنامج توبة
الرهبان، وهكذا يَجمعون بين الصلاة والعمل.
12 ً- الإتّكال المطلق على العناية الإلهيّة وعدم التأمين: إن كان من الناحية
الصحّية، ليعي الناس أنّ "الروح هو الذي يُحيي، أمّا الجسد فلا يُفيد شيئاً" (يو
6/64). أو من الناحية المعيشية لليوم الثاني، ليُعلّموا الناس الإتّكال على عناية
الله حسبما قال الرب يسوع: "لا تُفكروا بالغد، فالغد يهتم بشأنه" (متى 6/34). أو من
ناحية الملكيّة: ليَجعلوا الناس يتمسّكون بالله فوق كلّ شيء، "ليس لنا ههنا مدينة
باقية لكنّا نطلب الآتية" (عب13/14).
13- المجانيَّة المُطلقة: التي يُطبّقونها في جميع أشغالهم ومنتوجاتهم. فلا
يتقاضوا أجراً مقابل خدمة من أي نوعٍ كانت، ليعلّموا الناس حبّ العطاء والخدمة
المجانية.
14 ً- عدم حمل المال واستعماله: فيتعلّم الناس التجرّد عنه وعدم التعلّق به "حبِّ
المال أصل كل شرٍّ"(1تيم 6/10). ويتمّ تصريف الهبات الماليّة لصالح الفقراء، بواسطة
أعضاء جمعية "إكتوس" التابعة للرهبنة بطريقة أمينة تحت إشراف الراهب القيّم.
15- جمعيَّتي "إكتوس" و"ماران آتا" من قلب مريم الطاهر اللتين أسّسهما الأخ
روفائيل:
الأولى: من أجل أن تُحافظ الرهبانيَّتان على قوانينهما وروحانيَّتهما بجملتها
ولتتفرغا للصلاة وخدمة الكلمة على مثال الرسل والشمامسة السبع (أع6/1)
الثانية: للمساهمة في تحقيق الشهادة الإنجيليَّة الأصيلة، وللإشتراك في العمل
الكنسي لخدمة وخلاص النفوس، كإحدى الجمعيات الكنسيَّة.
IV- ماذا قيل فيهم:
1- شهادات الأساقفة:
1 ً- المطران "جورج أبي صابر":
"لولا هذه الميزة الفقرية والمجانيَّة المطلقة في خدماتكم، وعيشكم على العناية
الإلهيَّة، لَما كان من مُبرّر لتأسيسكم، وما كنّا سَمَحنا بتواجدكم كجماعة رهبانية
جديدة.. لأرسلناكم إلى الرهبانيَّات القائمة؛ ولمَثَلِكُم تأثير في المجتمع
والشبيبة خاصةً في هذا العصر الذي هو بحاجة ماسّة إلى روحانيَّتكم، لكي يَعلم
العالم أولويّة الحياة الروحيّة وتفضيلها على الأشياء الفانية. فرسالتكم "بسيطة"
ليست بحاجة إلى علم ولاهوت، تُشجّعون الناس على ممارسة الأسرار والإبتعاد عن
الرذيلة وعيش الفضيلة... وأعود لأُشدّد على فقركم بأن لا تتركوه، واهتمّوا بشكلٍ
خاص بفقراء العالم، لأنكم تعزية لهم وحياتكم ومثَلَكم أهمّ بشارة وعِظة للنفوس،
وأكثر تأثيراً من الكلام... إنّ تأسيس رهبنة أسهل بكثير من تجديد رهبنة."
2 ً- المطران "شكر الله حرب":
"إنّ الذي شجّعني على تبنيَّ للإخوة والأخوات، هو الميزات الكثيرة التي يتمتّعون
بها من: فقرٍ كامل؛ عدم حمل المال؛ الإتكال المطلق على العناية الإلهيَّة؛ عدم
الإرتباط بمؤسسات إجتماعية، مسلّمين أمورهم المالية والزمنية إلى الجمعية العلمانية
التي أسّسوها.
قد إشتهروا بطاعتِهم الكلّية لنا ولمن إنتدبنا لرعايتهم... وإنّ عدداً من الآباء
الكهنة يطلبونهم بإلحاح للرسالة... كما أنَّ عدداً من شبان وشابات وعائلات، ومن
جميع الطوائف لتأثّرهم في حياتهم، يقصدونهم بإستمرار للإسترشاد. "
3 ً-المطران "حرب" والأباتي "أتناسيوس الجلخ" في طلب تثبيت الرهبنة الذي رفعاه
إلى مجلس الأساقفة:
"نؤكّد طاعة هذه الجماعة وخضوعها، وسلامة إيمانها وعقيدتها... مُلفتين الى أنّ ما
قد يَبدو لكم صَعباً وغير مألوف للوَهلة الأولى في حياتها الجذرية– والذي تحفّظنا
منه نحن أيضاً في البداية - سيتّضح لكم، كما اتّضح لنا... ولَمْسِنا لعناية الله
المرافِقة لها، ولمحبّة وإعجاب الناس بها وبفقرها الكامل، حتى إنّهم راحوا يُغدِقون
عليهم الإحسانات؛ فكانوا يوزعون ما يَفيضُ عن يومِهم للفقراء... لذا ندعو الى
الإطمئنان حول طابع حياتها المزدوج، المؤسَّس على حياة رهبانيّة ديريّة أصيلة، وعلى
تنشئة مُطوّلة وجدِّيَّة للنشئ بعيداً عن الضوضاء ومخالطة العلمانيين."
2- شهادات بعض ممَن رافق الرهبانيّتين:
1 ً- الأباتي "أثناسيوس الجلخ":
"إنَّ إلتزامهم بالفقر هو إلتزام كامل، مثلما عاش يسوع ورسله، متّبعين نهجَ القديس
فرنسيس الأسيزي، متّكلين إتّكالاً كاملاً على العناية الإلهية، دون الإهتمام
بالمستقبل، وكيفيّة تأمين الحياة، مبتعدين عن كلّ أشكال الرفاهية في مجالات الحياة
كافة... إنّهم جماعة مصلّية، منصرفة للتفتيش عن الله. لذلك لا يَرغبون أن يكونوا
مسؤولين عن مؤسسات أو إدارات تُلهيهم عن الضروريّ الأوحد. أمّا رسالتهم فهي رسالة
الصلاة والشهادة والخدمة البسيطة المجّانيّة. ومن خلالها يقومون بإدخال كلمة
الإنجيل الى العيال والأفراد... إنَّ صعوبة الحياة لا سهولتها، هي التي تَفرزُ
وتَختبر الدعوة الحقيقيّة، وهذا ما يتحقق لديهم".
2 ً- الأب "جوزيف فهد" في تقريره الى مجلس الأساقفة في 10 أيار2001:
"إنّ جماعة إخوة الصليب تَحمِل بذوراً صالحة في الطاعة والطواعيّة الرهبانيّة
والإرادة الملتزمة والنوايا الإنجيليّة الصالحة، لدرجة أنّ هذه المزايا برزت واضحة
ومشجّعة في كل أوجه الحياة الرهبانيّة: كالعيش الجماعي والمحبّة الأخويّة... إنّ
الوجه الأساسي لإخوة الصليب هو وجه نسكي تأملّي يبقى جليّاً، ويرغبون إضافة وجهاً
رسولياً مكملاً... يبدون غيرة شرسة في الحفاظ على الحقيقة والعقيدة المسيحية وتعليم
الكنيسة، هم رجال عمل وكدّ ونشاط خارج الدير وداخله... إنّ روحانيّتهم تحمل طابعاً
نسكياً قشفاً، شبيهاً بالحياة الرهبانيّة القديمة التي شهدتها الكنيسة، والنهج
الروحيّ الذي يَعيشُه الإخوة، لا يتطابق على الإطلاق مع أيٍّ من الجماعات
الرهبانيّة القائمة على الأرض اللبنانيّة، ولذا يَستحيل ضَمّهم إلى أيٍّ مِن هذه
الرهبانيَّات."
3 ً- شهادة المرشد العام للرهبانيَّتَين "الأب حنا خضرا":
"بعد مشوار طويل من الترحال اللامُستقرّ، قادتهُم العناية الإلهيّة الى أبرشية جبيل
المارونيّة، فاحتضنهم راعيها المطران بشارة الراعي. وقد شرّفني بمرسوم تعييني خبيراً
قانونيّاً ومرشداً روحياً لهم، فلبَّيْتُ الدعوة بفرحٍ كبير.
فأنجزنا القوانين، وأوجَدنا الأرض لبناء الدير المركزي للأخوات، وحَصَلنا على
رُخصَة جَرفْ أساسات البناء، وتابعنا سِلسِلة طويلة من الأحاديث الروحيّة،
وتعاوَنّا معاً في خدمة الرسالة والرياضات الروحيّة في القرى وبعض الرعايا.
إنَّ ميزة حياتِهم الإنسانيّة وفرادتهم الروحيّة، تتلخّص بـ: الفرح الذي يتجلّى
بالسرور الدائم المشرق على وجوهِهم. التواضع، تأثَرْتُ به جداً خاصةً عندما يَنحنون
ساجدين على رُكَبِهِم أمام الكاهن ليُقبِّلوا يَدَه طالبين بركتِهِ. روح الخدمة:
يُسرعون الى خدمة كل محتاج يَقرَع بابَهُم أو يَلتقوا به على قارعَة الطريق.
الضيافة، بحيث لا مجال للتصنّع والتكلّف في التعاطي معهم.
ندعو المحسنين المحبين لهذه